السيد محمد الطباطبائي الكربلائي

155

مفاتيح الأصول

أيضا أنّه قال ويل للَّذين لا يمسّون فروجهم لا يصلَّون ولا يتوضّئون فقالت له عائشة هذا للرجال فلو لا خروجهن عن الجميع لما اتّجه السّؤال ولا التقرير وبالجملة هاتان الروايتان ظاهرتا الدّلالة على المطلوب ولكن لضعفهما سندا لا يمكن التعويل عليهما في المقام إلَّا أنّهما صالحتان للتأييد ومنها أن نحو قوله تعالى إذا قمتم إلى الصّلاة من صيغ الخطاب المبحوث عنها ولا بد فيه من جماعة تكونون مخاطبين حتى يصح الخطاب ولم يظهر أن فيهم الإناث لجواز أن يكون الجميع ذكورا فبمجرّده كيف يمكن الحكم بشمول نحو الخطاب المزبور اللهم إلَّا أن يكون مذهب الخصم أن نحو هذا الخطاب موضوع لمخاطبة الذكور والإناث معا فإذا تحقق علم بكونهن مخاطبات ولكن المقطوع به أن الخصم لا يقول بهذه المقالة فتأمل وللآخرين وجوه منها تنصيص أهل اللَّغة على صحّة تغليب التذكير بإرادة التّأنيث لو اجتمعا ولو كان الذّكر واحدا والإناث متعدّدا وقد وقع كثيرا منها قوله تعالى ادخلوا الباب سجّدا إذ المراد واللَّه أعلم بنو إسرائيل رجالهم ونساؤهم ومنها قوله تعالى اهبطوا بعضكم إلى آخره إذ المراد آدم عليه السلام وحوّاء وإبليس لعنه الله وفيه نظر فإن الصّحة لا تستلزم كونه الأصل في مقام الشّك وكم من صحيح هو مخالف للأصل لا يقال الأصل في الإطلاق الحقيقة فلا يصار إلى المجاز إلَّا لدليل لأنا نقول مجرّد الاستعمال لا دلالة فيه على الحقيقة مع أنّه هنا لو بني على الحقيقة لزم الاشتراك المخالف للأصل المرجوح بالنسبة إلى المجاز إذ لا نزاع في أن تلك الصّيغ حقائق في الذكور فلو كانت لهم وللإناث لزم ذلك سلمنا الاشتراك ولكنّه مجمل فلا يحكم بتعلق الحكم المستفاد من هذا الخطاب بالإناث بمجرّد إطلاقه بل إنما يقتصر على تعلَّقه بالرّجال لأنه مقطوع به على جميع التقادير ومنها أنّه قد ورد أكثر أوامر الشّرع بخطاب الذكور مع انعقاد الإجماع على مشاركة النساء لهم في أحكام تلك الأوامر فلو لا دخولهنّ في خطابهم لما صحت المشاركة في تلك الأحكام وفيه نظر أما أولا فلأنّه قد ورد أوامر الشّرع بخطابهم مع انعقاد الإجماع على عدمها كالأمر بالجهاد والجمعة وأما ثانيا فلأن مجرّد المشاركة في الحكم لا يقتضي الاتحاد والمشاركة في دليله لا عقلا ولا شرعا ولا عادة لا يقال الغالب المشاركة في الخطاب فيجب إلحاق المشكوك فيه به لأنا نقول لا نسلَّم ذلك سلمنا ولكن غايته صيرورة التغليب مجازا راجحا يساوي احتماله لاحتمال الحقيقة وهو غير مجد إلَّا على القول بتقدّم المجاز الرّاجح على الحقيقة المرجوحة وهو خلاف التحقيق وما عليه المعظم ومنها أنّه لو أوصى لرجال ونساء بمبلغ ثم قال أوصيت لهم بكذا دخلت النّساء بغير قرينة فيكون حقيقة في النساء والرّجال ظاهرا فيها وفيه نظر واضح والمسألة لا تخلو عن شوب الإشكال ولكنّ المعتمد هو القول الأول وعليه فهل الأصل مشاركة النساء في الحكم المستفاد من خطاب الذكور ومشاركة الذّكور في الحكم المستفاد من خطاب الإناث فيه إشكال من أصالة عدم الاشتراك وعليها اعتمد بعض المتأخرين ومن غلبة الاشتراك في الأحكام الشّرعية والنّبويّ المرسل حكمي على الواحد حكمي على الجماعة وقد يناقش في الأوّل بالمنع من حجّته الاستقراء في الأحكام الشّرعية وفيه نظر وفي الثاني بضعف الرّواية سندا وقصورها دلالة كما أشار إليه جدي رحمه الله قائلا إن المراد لعل الجماعة الَّتي تكون من صنفه لأنه صلَّى اللَّه عليه وآله لم يقل على جميع الأمة بل قال علي الجماعة وهي لفظ مقابل للواحد والفرق بينهما واضح ثم قال علي أنّه لو كان المراد الجميع لزم خروج ما لا يحصى كثرة هذا مع أن في السّند ما لا يخفى مفتاح اختلف الأصوليّون في إفادة اسم الجنس المعرف باللَّام نحو البيع والرّجل العموم وضعا على قولين الأوّل أنّه لا يفيده وهو للمحقق والشّهيد الثاني وحكاه عن أبي هاشم وجماعة من المحققين وفي شرح الوافية عن إلى آخره إلى أكثر البيانيين والأصوليّين وفي التّمهيد المفرد المحلَّى باللام والمضاف للعموم عند جماعة من الأصوليين والمعروف من مذهب البيانيين ونقله الآمدي عن الأكثرين ونقله الفخر الرّازي عن الفقهاء والمبرّد ثم اختاره هو ومختصر كلام عكسه وهو الأظهر الثاني أنه يفيده وضعا وأنه موضوع له وهو للشيخ في العدّة والفاضل البهائي في الزبدة والمحكي عن البيضاوي والحاجبي وأبي علي الجبائي والمبرّد والشافعي وجماعة من الفقهاء للأوّلين وجوه منها ما تمسّك به في المعارج والنهاية من أنّه لو دلّ على الاستغراق لأكَّد بمؤكدات الاستغراق نحو كل وجميع وذلك باطل لأنّك لا تقول رأيت الإنسان كلَّهم ولا جاءني الكريم أجمعون ومنها ما تمسّك به في المعارج والنهاية من أنّه لو استغرق لصحّ الاستثناء منه مطَّردا وإلَّا فلا أما الملازمة فظاهر وأما بطلان اللازم فلأنك لا تقول جاءني الرجل إلَّا الطوال ولا رأيت العالم إلَّا النحاة لا يقال قد تمسّك الشيخ على العموم بحسن الاستثناء في قوله تعالى إن الإنسان لفي خسر إلَّا الَّذين ءامنوا لأنا نقول هذا مجاز كما صرّح به في النهاية محتجّا بعدم الاطراد ثم قال ولأن الخسر لما لزم جميع أفراد النّوع إلَّا المؤمن جاز الاستثناء ومنها ما تمسّك به في النهاية من أنّه لو كان للعموم